ابن كثير

104

البداية والنهاية

وذكر سيف عن شيوخه أن أبا عبيدة قدم المدينة ومعه أربعة آلاف راحلة تحمل طعاما ، فأمره عمر بتفريقها في الاحياء حول المدينة ، فلما فرغ من ذلك أمر له بأربعة آلاف درهم فأبى أن يقبلها ، فلح عليه عمر حتى قبلها . وقال سيف بن عمر عن سهل بن يوسف السلمي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال : كان عام الرمادة في آخر سنة سبع عشرة ، وأول سنة ثماني عشرة ، أصاب أهل المدينة وما حولها جوع فهلك كثير من الناس ، حتى جعلت الوحش تأوي إلى الانس ، فكان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل الأمصار حتى أقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن على عمر فقال : أنا رسول رسول الله إليك ، يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقد عهدتك كيسا ، وما زلت على ذلك ( 1 ) ، فما شأنك " ؟ قال : متى رأيت هذا ؟ قال : البارحة . فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة ، فصلى بهم ركعتين ثم قام فقال : أيها الناس أنشدكم الله هل تعلمون مني أمرا غيره خير منه ؟ فقالوا : اللهم لا ، فقال : إن بلال بن الحارث يزعم ذية وذية . قالوا : صدق بلال فاستغث بالله ثم بالمسلمين . فبعث إليهم - وكان عمر عن ذلك محصورا - فقال عمر : الله أكبر ، بلغ البلاء مدته فانكشف . ما أذن لقوم في الطلب إلا وقد رفع عنهم الأذى والبلاء . وكتب إلى أمراء الأمصار أن أغيثوا أهل المدينة ومن حولها ، فإنه قد بلغ جهدهم . وأخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج وخرج معه العباس بن عبد المطلب ماشيا ، فخطب وأوجز وصلى ثم جثى لركبتيه وقال : اللهم إياك نعبد وإياك نستعين ، اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا . ثم انصرف فما بلغوا المنازل راجعين حتى خاضوا الغدران . ثم روى سيف عن مبشر بن الفضيل ، عن جبير بن صخر ، عن عاصم بن عمر بن الخطاب : أن رجلا من مزينة عام الرمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة فقال : ليس فيهن شئ . فألحوا عليه فذبح شاة فإذا عظامها حمر فقال يا محمداه . فلما أمسى أرى في المنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : " أبشر بالحياة ، إيت عمر فأقره مني السلام وقل له إن عهدي بك وفي العهد شديد العقد ، فالكيس الكيس يا عمر " ، فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه استأذن لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأتى عمر فأخبره ففزع ، ثم صعد عمر المنبر فقال للناس : أنشدكم الله الذي هداكم للاسلام هل رأيتم مني شيئا تكرهونه ؟ فقالوا : اللهم لا ، وعم ذاك ؟ فأخبرهم بقول المزني - وهو بلال بن الحارث - ففطنوا ولم يفطن . فقالوا : إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا . فنادى في الناس فخطب فأوجز ثم صلى ركعتين فأوجز ثم قال : اللهم عجزت عنا أنصارنا ، وعجز عنا حولنا وقوتنا ، وعجزت عنا أنفسنا ، ولا حول ولا قوة إلا بك ، اللهم اسقنا وأحيي العباد والبلاد .

--> ( 1 ) في الطبري : وما زلت على رجل .